التكاليف القضائية في السعودية: التقدير والاعتراض وحالات الاسترداد
كثير ممن يفكر في رفع دعوى يسأل سؤالًا واحدًا: «كم ستكلفني؟» ويخلط في الجواب بين أمرين مختلفين: التكاليف القضائية التي يفرضها النظام، وأتعاب المحامي المتفق عليها. وهما بابان منفصلان: الأول محكوم بنظام التكاليف القضائية ولائحته التنفيذية، والثاني محكوم باتفاق الطرفين.
هذا المقال يبيّن ما الذي يُراجع في باب التكاليف القضائية: نطاق تطبيقها، ومن يتحملها، وكيف يُعترض على تقديرها، ومتى تُردّ.
ما التكاليف القضائية؟
التكاليف القضائية مبالغ يفرضها النظام على الدعاوى والطلبات التي تُقدَّم إلى المحاكم. والأهداف التي تعلنها وزارة العدل من تنظيمها: الحد من الدعاوى الكيدية والصورية، وتعزيز الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، وتمكين سبل العدالة الوقائية والعقود التوثيقية، ورفع كفاءة المنظومة العدلية.
وهي ليست أتعاب المحامي، ولا تُدفع له، ولا يحددها. كما أنها ليست نسبة واحدة ثابتة تنطبق على كل دعوى؛ فالنظام ولائحته التنفيذية يفصّلان الطوائف المشمولة وحدود المبالغ وحالات الإعفاء والاستثناء.
وقد حدد النظام سقفًا للتكاليف المفروضة على الدعوى بما لا يزيد على ما نسبته خمسة في المئة من قيمة المطالبة وبحد أعلى مليون ريال، وسقفًا للطلبات — كطلبات الاستئناف والنقض والتماس إعادة النظر والطلبات العارضة وطلبات الردّ — بما لا يزيد على عشرة آلاف ريال، على أن اللائحة التنفيذية هي التي تحدد معايير التقدير وضوابطه. فهذه حدود عليا لا مبالغ مقطوعة.
ولذلك فإن أي رقم أو نسبة يُتداول في مصادر غير رسمية يحتاج تحققًا من نص النظام ولائحته قبل البناء عليه، لأن التعديلات تقع والتفاصيل تختلف باختلاف نوع الطلب.
ما الذي يدخل في النطاق وما لا يدخل؟
نطاق النظام أوسع مما يُظن: الأصل أن أحكامه تسري على الدعاوى والطلبات التي تُقدَّم إلى المحاكم، ثم يستثني النظام نفسه طوائف محددة بالنص. فالسؤال ليس «هل دعواي داخلة؟» بل «هل دعواي من المستثنى؟».
ويلزم التفريق بين أمرين يُخلط بينهما: دعوى مستثناة من سريان النظام، وشخص معفى من أداء التكاليف. والطوائف المستثناة من السريان ستّ: الدعاوى الجزائية العامة والدعاوى التأديبية والطلبات المتعلقة بها، والدعاوى والطلبات التي تختص بها محاكم الأحوال الشخصية عدا طلب النقض وطلب التماس إعادة النظر، والدعاوى والطلبات التي يختص بها ديوان المظالم، والدعاوى والطلبات المتعلقة بدعاوى قسمة التركات عدا طلب النقض وطلب التماس إعادة النظر، والدعاوى والطلبات الناشئة عن تطبيق أحكام نظام الإفلاس، والإنهاءات وما يتعلق بها من طلبات.
وفي مقابل ذلك يُعفى من الأداء فئات بصفتهم: المسجونون والموقوفون وقت استحقاق التكاليف في قضايا مالية غير جنائية، والعمال المشمولون بنظام العمل والمستثنون منه والمستحقون عنهم للمطالبة بمستحقاتهم الناشئة عن عقود العمل، والوزارات والأجهزة الحكومية. وإذا صدر الحكم لمصلحة المعفى، أُلزم المحكوم عليه بدفع التكاليف.
وهذا تقسيم إجمالي. والفحص الصحيح أن يُنظر في النص نفسه بحسب نوع الدعوى والطلب المحدد، لا بالقياس على دعوى سابقة سمع عنها صاحب الشأن.
من يتحمل التكاليف؟
القاعدة أن المحكوم عليه يتحمل قيمة التكاليف المقررة للدعوى. وإذا كان المدعي غير مُحقّ في جزء من طلباته تحمّل قسط ذلك الجزء، فالتحمّل يتبع ما حُكم به لا ما طُلب.
ومن النتائج العملية لذلك أن المبالغة في الطلب ليست مجانية. فمن طالب بمبلغ كبير بلا سند ثم حُكم له بجزء يسير، قد يجد نفسه متحملًا جزءًا من التكاليف بسبب الفارق.
وهذا يقود إلى قاعدة عملية في الصياغة: يُطلب ما يمكن إثباته بالمستندات، لا ما يُؤمل الحصول عليه. والطلب المبني على كشف حساب دقيق أقل كلفة — في النهاية — من طلب متضخم يُردّ أغلبه.
أثر التسوية
النظام يرتب على الصلح أثرًا في التكاليف يختلف بحسب المرحلة التي تم فيها، وأحكامه هنا محددة لا مجملة. فالدعاوى التي تنتهي بالصلح قبل رفع الجلسة الأولى من حالات ردّ التكاليف المدفوعة. وإذا كان الصلح أمام المحكمة بعد انتهاء الجلسة الأولى وقبل الحكم في الدعوى، خُفِّضت التكاليف إلى الربع. وإذا انتهت الدعوى بالصلح تحمّل أطراف الدعوى التكاليف بالتساوي ما لم يتفقوا على غير ذلك.
فالترتيب الزمني هنا له ثمن محسوب: الصلح قبل رفع الجلسة الأولى، ثم الصلح بعدها وقبل الحكم، ثم الحكم. ولكل مرحلة أثرها.
وهذا عنصر يُدرج في حساب الخيارات من أول الملف: إذا كان الطرف الآخر مستعدًا لتسوية معقولة في مرحلة مبكرة، فالمقارنة ليست بين المبلغ المعروض والمبلغ المطلوب فقط، بل بينهما وبين الوقت والتكاليف واحتمال التحصيل.
مثال افتراضي: منشأة تطالب بمبلغ، وعُرض عليها قبل الجلسة الأولى تسوية بنسبة معتبرة منه. الحساب الصحيح لا يقارن النسبتين فقط، بل يضيف: كم ستستغرق الدعوى؟ وما التكاليف المحتملة؟ وما احتمال التحصيل بعد الحكم؟ وقد يتبيّن أن المعروض اليوم أقرب إلى القيمة الفعلية من حكم بعد مدة.
الاعتراض على التقدير
تقدير التكاليف إجراء قابل للمراجعة. فالإدارة المختصة تحدد مبلغ التكاليف وتبلّغ به المدعي أو صاحب الطلب عند قيد الدعوى أو الطلب، وللمدعي أو صاحب الطلب الاعتراض على هذا التحديد خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ تبليغه أمام رئيس المحكمة أو من يفوضه من قضاتها، ويكون قراره نهائيًا وغير قابل للاعتراض عليه. فالفرصة واحدة لا تتكرر، وهذا وحده يكفي سببًا لعدم تأجيلها.
والعناصر العملية في الاعتراض:
- تحديد سبب الاعتراض بدقة: خطأ في تقدير القيمة؟ أم في وصف الطلب؟ أم في انطباق الاستثناء؟
- إرفاق ما يسنده: ما يثبت القيمة الحقيقية للمطالبة، أو ما يثبت صفة المدعي الموجبة للإعفاء.
- التقيد بالمدة: خمسة عشر يومًا من تاريخ التبليغ، وتجاوزها يفوّت الحق في الاعتراض. ويُحدَّد آخر يوم فيها من أول يوم لا بعد الاستشارة.
حالات الردّ
النظام يرتب ردّ التكاليف — كلها أو بعضها — في حالات، منها ما يتصل بنتيجة الدعوى ومنها ما يتصل بانتهائها قبل السير فيها.
ومن الصور المنصوص عليها: الحكم لمصلحة دافع التكاليف، وقبول طلب ردّ القاضي، ونقض الحكم المعترض عليه، وترك الدعوى قبل عقد الجلسة الأولى، وانتهاؤها بالصلح قبل رفع الجلسة الأولى.
والمهم عمليًا: الردّ ليس تلقائيًا في كل حال؛ له شروطه وإجراؤه. ومن حُكم له ولم يتابع مسألة الردّ قد يتركها بلا سبب.
التكاليف وأتعاب المحامي — فصل لازم
الخلط بين البابين يسبب سوء فهم متكرر. فالتكاليف القضائية تُدفع بمناسبة الدعوى وفق النظام، وأتعاب المحامي تُتفق عليها بين الموكل ومحاميه وتُحدَّد بعد دراسة الملف ونطاق العمل.
ولا يصح أن يُقال للموكل إن «المحكمة ستُلزم الخصم بأتعاب المحاماة» على إطلاقه؛ فمسألة ما يُحكم به من مصاريف ومقابل لها أحكامها وحدودها، وهي غير الاتفاق بين الموكل ومحاميه.
والصياغة الصحيحة في عرض الكلفة على الموكل أن تُفصل: كلفة نظامية متوقعة بحسب نوع الطلب، وأتعاب متفق عليها، ومصاريف أخرى محتملة كالخبرة والترجمة.
كيف تُقدَّر قيمة الدعوى؟
أكثر الخلاف على التكاليف ينشأ من تقدير قيمة الدعوى، لا من مبدأ فرضها. فالقيمة هي الأساس الذي يُبنى عليه الحساب في كثير من الطلبات.
وفي الدعاوى التي محلها مبلغ محدد تكون المسألة يسيرة. أما إذا كان الطلب غير نقدي — كطلب إلزام بتنفيذ عمل، أو تسليم عين، أو بطلان تصرف — فإن تقدير القيمة يحتاج بيانًا مستندًا.
ومن الممارسات النافعة أن يُرفق المدعي بيانًا واضحًا لكيفية وصوله إلى القيمة: كشف حساب، أو عقد فيه مقابل محدد، أو تقييم مستند. فهذا يقلل احتمال تقدير يخالف الواقع، ويجعل الاعتراض — إن لزم — أسهل وأقوى.
أربعة أخطاء شائعة
- افتراض أن كل دعوى خاضعة. بعض من يتردد في المطالبة بمستحقاته العمالية يظن أنه سيتحمل تكاليف، والنصوص عنيت بإعفاء العامل في هذا الباب. التحقق من النطاق قبل العزوف عن المطالبة.
- تضخيم الطلب. يرفع صاحب الحق مبلغه «ليفاوض عليه»، فيزيد التقدير ويزيد ما قد يتحمله عند الحكم بجزء يسير.
- إهمال مدة الاعتراض على التقدير. يُؤجَّل الاعتراض انتظارًا لنتيجة الدعوى، فتفوت المدة.
- نسيان متابعة الردّ. يُحكم للمدعي ثم لا يتابع إجراء ردّ ما دفعه، فيبقى المبلغ بلا مطالبة.
قائمة مراجعة قبل الإيداع
- هل الدعوى من الطوائف الخاضعة للتكاليف أم المستثناة؟
- ما القيمة الحقيقية للمطالبة بحسب المستندات لا بحسب التقدير؟
- هل في الطلبات ما يمكن الاستغناء عنه لعدم إمكان إثباته؟
- هل هناك فرصة تسوية مبكرة تستحق العرض قبل الإيداع؟
- هل حُسبت كلفة الخبرة المحتملة ضمن تقدير الكلفة الكلية؟
كيف تُعرض الكلفة على الموكل؟
العرض المهني للكلفة لا يكون برقم واحد. يكون بجدول صغير يفصل: التكاليف النظامية المتوقعة بحسب نوع الطلب، وأتعاب المحاماة المتفق عليها ومراحل استحقاقها، والمصاريف المحتملة كالخبرة والترجمة والتصوير، مع بيان ما هو مؤكد وما هو تقديري.
وهذا العرض يحمي الطرفين: يعرف الموكل ما الذي يدخل فيه، ولا يُفاجأ لاحقًا ببند لم يُذكر، ويستطيع المحامي أن يحيل إلى ما اتُّفق عليه مكتوبًا عند أي استفسار.
الخلاصة
التكاليف القضائية ليست عائقًا أمام صاحب الحق، لكنها عنصر يدخل في حساب القرار من أوله. والقاعدتان العمليتان: اطلب ما تستطيع إثباته، وتحقق من النص بنفسه لا من رقم متداول.
وأي مبلغ أو نسبة أو مدة في هذا الباب تحتاج مراجعة من نظام التكاليف القضائية ولائحته التنفيذية قبل الاعتماد عليها في قرار.
أسئلة حول هذا الموضوع
نعم. فعرض الصلح على الأطراف من أعمال الجلسة التحضيرية التي تعقدها المحكمة قبل المرافعة. وللمحكمة في أي مرحلة أن تحيل الأطراف إلى المصالحة والوساطة بشرط موافقتهم ويثبت ذلك في محضر القضية. وإذا تم الصلح أمام الدائرة أثبت في محضر يوقعه الأطراف ويعتمده رئيس الجلسة فيكون سندًا تنفيذيًا وتنقضي به الدعوى.
المصدراللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية — المادتان 60 و90 (بوابة وزارة العدل)نظام المحاكم التجارية — المادة 29 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعالتكاليف القضائية في السعودية: التقدير والاعتراض وحالات الاسترداد
نعم. إذا اتفق الأطراف على الصلح أمام الدائرة أثبت في محضر الجلسة ووقعوا عليه واعتمده رئيس الجلسة. فيكون المحضر المعتمد سندًا تنفيذيًا وتسلم صورته كما تسلم الأحكام وتنقضي به الدعوى. ويسري ذلك ولو تم الاتفاق بعد قفل باب المرافعة أو أمام المحكمة التي تنظر الاعتراض.
المصدرنظام المحاكم التجارية — المادة 29 (بوابة وزارة العدل)اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية — المادة 63 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعالتكاليف القضائية في السعودية: التقدير والاعتراض وحالات الاستردادفتح ملف التنفيذ بعد نظام التنفيذ الجديد: من السند إلى الحجز
هذا المقال معلومات عامة للتثقيف القانوني، ولا يقوم مقام دراسة الوقائع والمستندات في حالة بعينها، ولا تنشأ بقراءته علاقة توكيل.
استشر في هذا الموضوعأو راسل الرقم مباشرة: 0558987102
واتساب